Ibn Khaldoun - إبن خلدون
Al Muqaddima Part 101 : الفصل 52 في أن العمران البشري لا بد له من سياسة ينتظم بها أمره
الفصل الثاني والخمسون في أن العمران البشري لا بد له من سياسة ينتظم بها أمره اعلم أنه قد تقدم لنا في غير موضع أن الاجتماع للبشر ضروري و هو معنى العمران الذي نتكلم فيه و أنه لا بد لهم في الاجتماع من وازع حاكم يرجعون إليه و حكمه فيهم تارة يكون مستنداً إلى شرع منزل من عند الله يوجب انقيادهم إليه إيمانهم بالثواب و العقاب عليه الذي جاء به مبلغه و تارة إلى سياسة عقلية يوجب انقيادهم إليها ما يتوقعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم. فالأولى يحصل نفعها في الدنيا و الآخرة لعلم الشارع بالمصالح في العاقبة و لمراعاته نجاة العباد في الآخرة و الثانية إنما يحصل نفعها في الدنيا فقط و ما تسمعه من السياسة المدنية فليس من هذا الباب و إنما معناه عند الحكماء ما يجب أن يكون عليه كل واحد من أهل ذلك المجتمع في نفسه و خلقه حتى يستغنوا عن الحكام رأساً و يسمون المجتمع الذي يحصل فيه ما يسمى من ذلك بالمدينة الفاضلة، و القوانين المراعاة في ذلك بالسياسة المدنية و ليس مرادهم السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع بالمصالح العامة فإن هذه غير تلك و هذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع و إنما يتكلمون علنها على جهة الفرض و التقدير ثم إن السياسة العقلية التي قدمناها تكون على وجهين أحدهما يراعى فيها المصالح على العموم و مصالح السلطان في استقامة ملكه على الخصوص و هذه كانت سياسة الفرس و هي على جهة الحكمة. و قد أغنانا الله تعالى عنها في الملة و لعهد الخلافة لأن الأحكام الشرعية مغنية عنها في المصالح العامة و الخاصة و أحكام الملك مندرجة فيها. الوجه الثاني أن يراعى فيها مصلحة السلطان و كيف يستقيم له الملك مع القهر و الاستطالة و تكون المصالح العامة في هذه تبعاً و هذه السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع التي لسائر الملوك في العالم من مسلم و غيره إلا أن ملوك المسلمين يجرون منها على ما تقتضيه الشريعة الإسلامية بحسب جهدهم فقوانينها إذا مجتمعة من أحكام شرعية و آداب خلقية و قوانين في الاجتماع طبيعية، و أشياء من مراعاة الشوكة و العصبية ضرورية و الاقتداء فيها بالشرع أولاً ثم الحكماء في آدابهم و الملوك في سيرهم و من أحسن ما كتب في ذلك و أودع كتاباً طاهر بن الحسين لابنه عبد الله بن طاهر لما ولاه المأمون الرقة و مصر و ما بينهما فكتب إليه أبوه طاهر كتابه المشهور عهد إليه فيه و وصاه بجميع ما يحتاج إليه في دولته و سلطانه من الآداب الدينية و الخلقية و السياسة الشرعية و الملوكية، و حثه على مكارم الأخلاق و محاسن الشيم بما لا يستغني عنة ملك و لا سوقة. و نص الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له و خشيته و مراقبته عز و جل و مزايلة سخطه و احفظ رعيتك في الليل و النهار و الزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك و ما أنت صائر إليه و موقوف عليه و مسئول عنه، و العمل في ذلك كله بما يعصمك الله عز و جل و ينجيك يوم القيامة من عقابه و أليم عذابه فإن الله سبحانه قد أحسن إليك و أوجب الرأفة عليك بمن استرعاك أمرهم من عباده و ألزمك العدل فيهم و القيام بحقه و حدوده عليهم و الذب عنهم و الدفع عن حريمهم و منصبهم و الحقن لدمائهم و الأمن لسربهم و إدخال الراحة عليهم و مؤاخذك بما فرض عليك و موقفك عليه و سائلك عنه و مثيبك عليه بما قدمت و أخرت ففرغ لذلك فهمك و عقلك و بصرك و لا يشغلك عنه شاغل، و أنه رأس أمرك و ملاك شأنك و أول ما يوقعك الله عليه و ليكن أول ما تلزم به نفسك و تنسب إليه فعلك المواظبة على ما فرض الله عز و جل عليك من الصلوات الخمس و الجماعة عليها بالناس قبلك و توابعها على سننها من إسباغ الوضوء لها و افتتاح ذكر الله عز وجل فيها و رتل في قراءتك و تمكن في ركوعك و سجودك و تشهدك و لتصرف فيه رأيك و نيتك و احضض عليه جماعة ممن معك و تحت يدك و ادأب عليها فإنها كما قال الله عز و جل تنهى عن الفحشاء و المنكر ثم اتبع ذلك بالأخذ بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم و المثابرة على خلائقه و اقتفاء أثر السلف الصالح من بعده، و إذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة الله عز و جل و تقواه و بلزوم ما أنزل الله عز و جل في كتابه من أمره و نهيه و حلاله و حرامه و ائتمام ما جاءت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قم فيه بالحق لله عز وجل و لا تميلن عن العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس أو لبعيد و آثر الفقه و أهله و الدين و حملته و كتاب الله عز و جل و العاملين به فإن أفضل ما يتزين به المرء الفقه في الدين و الطلب له و الحث عليه و المعرفة بما يتقرب به إلى الله عز و جل فإنه الدليل على الخير كله و القائد إليه و الآمر و الناهي عن المعاصي و الموبقات كلها و مع توفيق الله عز و جل يزداد المرء معرفة و إجلالاً له و دركاً للدرجات العلى في المعاد مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك و الهيبة لسلطانك و الأنسة بك و الثقة بعدلك و عليك بالاقتصاد في الأمور كلها فليس شيء أبين نفعاً و لا أخص أمناً و لا أجمع فضلاً منه. و القصد داعية إلى الرشد و الرشد دليل على التوفيق و التوفيق قائد إلى السعادة و قوام الدين و السنن الهادية بالاقتصاد و كذا في دنياك كلها. و لا تقصر في طلب الآخرة و الأجر و الأعمال الصالحة و السنن المعروفة و معالم الرشد و الإعانة و الاستكثار من البر و السعي له إذا كان يطلب به وجه الله تعالى و مرضاته و مرافقة أولياء الله في دار كرامته أما تعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز و يمحص من الذنوب و أنك لن تحوط نفسك من قائل و لا تنصلح أمورك بأفضل منه فأته و افتد به تتم أمورك و تزد مقدرتك و تصلح عامتك و خاصتك و أحسن ظنك بالله عز و جل تستقيم لك رعيتك و التمس الوسيلة إليه في الأمور كلها تستدم به النعمة عليك و لا تتهمن أحداً من الناس فيما توليه من عملك قبل أن تكشف أمره فإن إيقاع التهم بالبراء و الظنون السيئة بهم آثم إثم. فاجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك و اطرد عنك سوء الظن بهم، و ارفضه فيهم يعنك ذلك على استطاعتهم و رياضتهم. و لا يجدن عدو الله الشيطان في أمرك مغمزاً فإنه يكتفي بالقليل من وهنك و يدخل عليك من الغم بسوء الظن بهم ما ينقص لذاذة عيشك. و اعلم أنك تجد بحسن الظن قوة و راحة، و تكتفي به ما أحببت كفايته من أمورك و تدعو به الناس إلى محبتك و الاستقامة في الأمور كلها و لا يمنعك حسن الظن بأصحابك و الرأفة برعيتك أن تستعمل المسألة و البحث عن أمورك و المباشرة لأمور الأولياء و حياطة الرعية و النظر في حوائجهم و حمل مؤوناتهم أيسر عندك مما سوى ذلك فإنه أقوم للدين و أحيا للسنة. و أخلص نيتك في جميع هذا و تفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم أنه مسئول عما صنع و مجزي بما أحسن و مؤاخذ بما أساء فإن الله عز و جل جعل الدين حرزاً و عزاً و رفع من اتبعه و عزره و اسلك بمن تسوسه و ترعاه نهج الدين و طريقة الهدى. و أقم حدود الله تعالى في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم و ما استحقوه و لا تعطل ذلك و لا تتهاون به و لا تؤخر عقوبة أهل العقوبة فإن في تفريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك و اعتزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة و جانب البدع و الشبهات يسلم لك دينك و تقم لك مرؤتك. و إذا عاهدت عهداً فأوف به و إذا وعدت خيراً فأنجزه و اقبل الحسنة و ادفع بها، و اغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك، و اشدد لسانك عن قول الكذب و الزور، و أبغض أهل النميمة، فإن أول فساد أمورك في عاجلها و آجلها، تقريب الكذوب، و الجراءة على الكذب، لأن الكذب رأس المآثم، و الزور و النميمة خاتمتها، لأن النميمة لا يسلم صاحبها و قائلها، لا يسلم له صاحب و لا يستقيم له أمر. و أحبب أهل الصلاح و الصدق، و أعز الأشراف بالحق، و آس الضعفاء، و صل الرحم، و ابتغ بذلك وجه الله تعالى و إعزاز أمره، و التمس فيه ثوابه و الدار الآخرة. و اجتنب سوء الأهواء و الجور، و اصرف عنهما رأيك و أظهر براءتك من ذلك لرعيتك و أنعم بالعدل في سياستهم و قم بالحق فيهم، و بالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى. و املك نفسك عند الغضب، و آثر الحلم و الوقار، و إياك و الحدة و الطيش و الغرور فيما أنت بسبيله. و إياك أن تقول أنا مسلط أفعل ما أشاء فإن ذلك سريع إلى نقص الرأي و قلة اليقين بالله عز و جل و أخلص لله وحده النية فيه و اليقين به. و اعلم أن الملك لله سبحانه و تعالى يؤتيه من يشاء و ينزعه ممن يشاء. و لن تجد تغير النعمة و حلول النقمة على أحد أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان و المبسوط لهم في الدولة إذا كفروا نعم الله و إحسانه و استطالوا بما أعطاهم الله عز و جل من فضله. و دع عنك شره نفسك و لتكن ذخائرك و كنوزك التي تدخر و تكنز البر و التقوى و استصلاح الرعية و عمارة بلادهم و التفقد لأمورهم و الحفظ لدمائهم و الإغاثة لملهوفهم. و اعلم أن الأموال إذا اكتنزت و ادخرت في الخزائن لا تنمو و إذا كانت في صلاج الرعية و إعطاء حقوقهم و كف الأذية عنهم نمت و زكت و صلحت بها العامة و ترتبت بها الولاية و طاب بها الزمان و اعتقد فيها العز و المنفعة. فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام و أهله. و وفر منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم و أوف من ذلك حصصهم و تعهد ما يصلح أمورهم و معاشهم فإنك إذا فعلت ذلك قرت النعمة عليك و استوجبت المزيد من الله تعالى و كنت بذلك على جباية خراجك و جمع أموال رعيتك و عملك أقدر و كان الجميع لما شملهم من عدلك و إحسانك أسلس لطاعتك و أطيب أنفساً بكل ما أردت. و أجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب و ليعظم حقك فيه و إنما يبقى من المال ما أنفق في سبيل الله و اعرف للشاكرين حقهم و أثبهم عليه و إياك أن تنسيك الدنيا و غرورها هول الآخرة فتتهاون بما يحق عليك فإن التهاون يورث التفريط و التفريط يورث البوار. و ليكن عملك لله عز و جل و ارج الثواب فيه فإن الله سبحانه قد أسبغ عليك فضله. و اعتصم بالشكر و عليه فاعتمد يزدك الله خيراً و إحساناً فإن الله عز و جل يثيب بقدر شكر الشاكرين و إحسان المحسنين. و لا تحقرن ذنباً و لا تمالئن حاسداً و لا ترحمن فاجراً و لا تصلن كفوراً و لا تداهنن عدواً و لا تصدقن نماماً و لا تأمنن غداراً و لا توالين فاسقاً و لا تتبعن غاوياً و لا تحمدن مرائياً و لا تحقرن إنساناً و لا تردن سائلاً فقيراً و لا تحسنن باطلاً و لا تلاحظن مضحكاً و لا تخلفن وعداً و لا تزهون فخراً و لا تظهرن غضباً و لا تباينن رجاءً و لا تمشين مرحاً و لا تفرطن في طلب الآخرة و لا ترفع للنمام عيناً و لا تغمضن عن ظالم رهبة منه أو محاباةً و لا تطلبن ثواب الآخرة في الدنيا. و أكثر مشاورة الفقهاء و استعمل نفسك بالحلم و خذ عن أهل التجارب و ذوي العقل و الرأي و الحكمة. و لا تدخلن في مشورتك أهل الرفه و البخل و لا تسمعن لهم قولاً فإن ضررهم أكثر من نفعهم و ليس شيء أسرع فساداً لما استقبلت فيه أمر رعيتك من الشح. و اعلم أنك إذا كنت حريصاً كنت كثير الأخذ قليل العطية و إذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلاً فإن رعيتك إنما تعقد على محبتك بالكف عن أموالهم و ترك الجور عليهم. و ابتدئ من صافاك من أوليائك بالإفصال عليهم و حسن العطية لهم. و اجتنب الشح و اعلم أنه أول ما عصى الإنسان به ربه و إن العاصي بمنزلة خزي و هو قول الله عز و جل “و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون” فسهل طريق الجود بالحق و اجعل للمسلمين كلهم من فيئك، حظاً و نصيباً و أيقن أن الجود أفضل أعمال العباد فأعده لنفسك خلقاً و ارض به عملاً و مذهباً. و تفقد الجند في دواوينهم و مكانتهم و أدر عليهم أرزاقهم و و وسع عليهم في معايشهم يذهب الله عز و جل بذلك فاقتهم فيقوى لك أمرهم و تزيد قلوبهم في طاعتك و أمرك خلوصاً و انشراحاً. و حسب ذي السلطان من السعادة أن يكون على جنده و رعيته ذا رحمة في عدله و حيطته و إنصافه و عنايته و شفقته و بره و توسعته فزايل مكروه أحد البابين باستشعار فضيلة الباب الآخر و لزوم العمل به تلق إن شاء الله تعالى نجاحاً و صلاحاً و فلاحاً. و اعلم أن القضاء من الله تعالى بالمكان الذي ليس فوقه شيء من الأمور لأنه ميزان الله الذي تعدل عليه أحوال الناس في الأرض. و بإقامة العدل في القضاء و العمل تصلح أحوال الرعية و تأمن السبل و ينتصف المظلوم و تأخذ الناس حقوقهم و تحسن المعيشة و يؤدى حق الطاعة و يرزق الله العافية و السلامة و يقيم الدين و يجري السنن و الشرائع في مجاريها. و اشتد في أمر الله عز و جل و تورع عن النطف و امض لإقامة الحدود. و أقل العجلة و ابعد عن الضجر و القلق و اقنع بالقسم و انتفع بتجربتك و انتبه في صمتك و اسدد في منطقك و أنصف الخصم و قف عند الشبهة و أبلغ في الحجة و لا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة و لا مجاملة و لا لومة لائم و تثبت و تأن و راقب و انظر و تنكر و تدبر و اعتبر و تواضع لربك و ارفق بجميع الرعية و سلط الحق على نفسك و لا تسرعن إلى سفك دم فإن الدماء من الله عز و جل بمكان عظيم انتهاكاً لها بغير حقها. و انظر هذا الخراج الذي استقامت عليه الرعية و جعله الله للإسلام عزاً و رفعةً و لأهله توسعة و منعة و لعدوه و عدوهم كبتاً و غيظاً و لأهل الكفرمن معاديهم ذلاً و صغاراً فوزعه بين أصحابه بالحق و العدل و التسوية و العموم و لا تدفعن شيئاً منه عن شريف لشرفه و لا عن غني لغناه و لا عن كاتب لك و لا عن أحد من خاصتك و لا حاشيتك و لا تأخذن منه فوق الاحتمال له. و لا تكلف أمراً فيه شطط. و احمل الناس كلهم على أمر الحق فإن ذلك أجمع لأنفسهم و ألزم لرضاء العامة. و اعلم أنك جعلت بولايتك خازناً و حافظاً و راعياً و إنما سمي أهل عملك رعيتك لأنك راعيهم و قيمهم. فخذ منهم ما أعطوك من عفوهم و نفذه في قوام أمرهم و صلاحهم و تقويم أودهم. و استعمل عليهم أولي الرأي و التدبير و التجربة و الخبرة بالعلم و العمل بالسياسة و العفاف. و وسع عليهم في الرزق فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت و أسند إليك فلا يشغلك عنه شاغل و لا يصرفك عنه صارف فإنك متى آثرته و قمت فيه بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك و حسن الأحدوثة في عملك و اجتررت به المحبة من رعيتك و أعنت على الصلاح فدرت الخيرات ببلدك و فشت العمارة بناحيتك و ظهر الخصب في كورك و كثر خراجك و توفرت أموالك و قويت بذلك على ارتياض جندك و إرضاء العامة بإفاضة العطاء فيهم من نفسك و كنت محمود السياسة مرضي العدل في ذلك عند عدوك و كنت في أمورك كلها ذا عدل و آلة و قوة و عدة. فنافس في ذلك و لا تقدم عليه شيئاً تحمد عاقبة أمرك إن شاء الله تعالى. و اجعل في كل كورة من عملك أميناً يخبرك أخبار عمالك و يكتب إليك بسيرهم و أعمالهم حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لأموره كلها. فإن أردت أن تأمرهم بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك فإن رأيت السلامة فيه و العافية و رجوت فيه حسن الدفاع و الصنع فأمضه و إلا فتوقف عنه و راجع أهل البصر و العلم به ثم خذ فيه عدته فإنه ربما نظر الرجل في أمره و قدره و أتاه على ما يهوى فأغواه ذلك و أعجبه فإن لم ينظر في عواقبه أهلكه و نقص عليه أمره. فاستعمل الحزم في كل ما أردت و باشره بعد عون الله عز و جل بالقوة. و أكثر من استخارة ربك في جميع أمورك. و افرغ من يومك و لا تؤخره لغدك و أكثر مباشرته بنفسك فإن للغد أموراً و حوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت. و اعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه و إذا أخرت عمله اجتمع عليك عمل يومين فيثقلك ذلك حتى تمرض منه. و إذا مضيت لكل يوم عمله أرحت بدنك و نفسك و جمعت أمر سلطانك و انظر أحرار الناس و ذوي الفضل منهم ممن بلوت صفاء طويتهم و شهدت مودتهم لك و مظاهرتهم بالنصح و المحافظة على أمرك فاستخلصهم و أحسن إليهم و تعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة و احتمل مؤونتهم و أصلح حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مساً و أفرد نفسك للنظر في أمور الفقراء و المساكين و من لا يقدر على رفع مظلمته إليك و المحتقر الذي لا علم له بطلب حقه فسل عنه أحفى مسألة و وكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك و مرهم برفع حوائجهم و حالاتهم إليك لتنفر فيما يصلح الله به أمرهم و تعاهد ذوي البأساء و أيتامهم و أراملهم و اجعل لهم أرزاقاً من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين أعزه الله تعالى في العطف عليهم و الصلة لهم ليصلح الله بذلك عيشهم و يرزقك به بركة و زيادة. و أجر للأضراء من بيت المال و قدم حملة القرآن منهم و الحافظين لأكثره في الجراية على غيرهم و انصب لمرضى المسلمين دوراً تأويهم و قواماً يرفقون بهم و أطباء يعالجون أسقامهم و أسعفهم بشهواتهم مالم يؤد ذلك إلى إسراف في بيت المال. و اعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم و أفضل أمانيهم لم يرضيهم ذلك و لم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم طمعاً في نيل الزيادة و فضل الرفق منهم. و ربما تبرم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه و يشغل فكره و ذهنه فيها ما يناله به من مؤونة و مشقة. و ليس من يرغب في العدل و يعرف محاسن أموره في العاجل و فضل ثواب الآجل كالذي يستقبل ما يقرئه إلى الله تعالى و يلتمس رحمته و أكثر الإذن للناس عليك و أبرز لهم وجهك و سكن لهم حواسك و اخفض لهم جناحك و أظهر لهم بشرك و لن لهم في المسألة و النطق و اعطف عليهم بجودك و فضلك. و إذا أعطيت فأعط بسماحة و طيب نفس و التماس للصنيعة و الأجر من غير تكدير و لا امتنان فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله تعالى. و اعتبر بما ترى من أمور الدنيا و من مضى قبلك من أهل السلطان و الرئاسة في القرون الخالية و الأمم البائدة. ثم اعتصم في أحوالك كلها بالله سبحانه و تعالى و الوقوف عند محبته و العمل بشريعته و سنته و بإقامة دينه و كتابه و اجتنب ما فارق ذلك و خالفه و دعا إلى سخط الله عز و جل و اعرف ما يجمع عمالك من الأموال و ما ينفقون منها و لا تجمع حراماً و لا تنفق إسرافاً. و أكثر مجالسة العلماء و مشاورتهم و مخالطتهم و ليكن هواك اتباع السنن و إقامتها و إيثار مكارم الأخلاق و معاليها و ليكن أكرم دخلائك و خاصتك عليك من إذا رأى عيبا فيك لم تمنعه هيبتك عن إنهاء ذلك إليك في سرك و إعلانك بما فيه من النقص فإن أولئك أنصح أوليائك و مظاهرون لك. و انظر عمالك الذين بحضرتك و كتابك فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتاً يدخل فيه عليك بكتبه و مؤامراته و ما عنده من حوائج عمالك و أمور الدولة و رعيتك ثم فرغ لما يورد عليك من ذلك سمعك و بصرك و فهمك و عقلك و كرر النظر فيه و التدبر له فما كان موافقاً للحق و الحزم فأمضه و استخر الله عز و جل فيه و ما كان مخالفاً لذلك فاصرفه إلى المسألة عنه و التثبت منه و لا تمنن على رعيتك و لا غيرهم بمعروف تؤتيه إليهم. و لا تقبل من أحد إلا الوفاء و الاستقامة و العون في أمور أمير المسلمين و لا تضعن المعروف إلا على ذلك. و تفهم كتابي إليك و انعم النظر فيه و العمل به و استعن بالله على جميع أمورك و استخره فإن الله عز و جل مع الصلاح و أهله و ليكن أعظم سيرتك و أفضل رغبتك ما كان لله عز و جل رضى و لدينه نظاماً و لأهله عزاً و تمكيناً و للملة و الذمة عدلاً و صلاحاً و أنا أسأل الله أن يحسن عونك و توفيقك و رشدك و كلاءتك و السلام. و حدث الإخباريون أن هذا الكتاب لما ظهر و شاع أمره أعجب به الناس و اتصل بالمأمون فلما قرئ عليه قال ما أبقى أبو الطيب يعني طاهراً شيئاً من أمور الدنيا والدين و التدبير و الرأي و السياسة و صلاح الملك و الرعية و حفظ السلطان و طاعة الخلفاء و تقويم الخلافة إلا و قد أحكمه و أوصى به ثم أمر المأمون فكتب به إلى جميع العمال في النواحي ليقتدوا به و يعملوا بما فيه هذا أحسن ما وقفت عليه في هذه السياسة و الله أعلم.